القيم السامية التي تحويها العمارة الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القيم السامية التي تحويها العمارة الإسلامية

مُساهمة  Bouda Abderrahmane في السبت 17 نوفمبر 2007, 00:19

محمد زيدعبد الرحمن شرف
كلية الفنون الجميلة/جامعة النجاح

إذا تتبعنا بنظرة سريعة تراث الحضارة الإنسانية القديمة نجد أن عصر الفراعنة تميز بفلسفة الخلود واعتبار الموت مرحلة انتقالية بين حياتين الثانية فيهما الأبدية، فجاءت العمارة المصرية القديمة متلائمة مع العقيدة الدينية، وأقيمت المعابد المقدسة ووضعت فيها التماثيل المعبرة عن عظمة من تمثلهم وعن تساميهم وخلودهم، كما اهتم قدماء المصريين وبرعوا في فن التحنيط وبنوا المقابر لحفظ الموتى وكنوزهم لحين العودة للحياة مرة أخرى.
ونجد عصر الإغريق قد تميز بتتبع الجمال الكامل والعمل على توطيده ووضع النظريات الفلسفية للقيم الجمالية ومحاولات الغوص في أعماق النفس البشرية للوصول إلى مواطن السمو الروحي والتسامي، والعمارة الإغريقية تجسيد مادي للقيم الجمالية وتطبيق لنظرياته الفلسفية، فيقف الإنسان أمامها مبهورا مستمتعا ومتأملاً.
أما عصر الحضارة الرومانية فتميز بإشباع الغرائز الإنسانية، من ميل إلى الفخامة والأبهة والعظمة، فتجسدت في عمارة المباني العامة والقصور والحمامات، كما تميز بالاستجابة إلى الغرائز الدموية فعرفت حلبات المصارعة التي يتصارع فيها الإنسان بوحشية مع الإنسان أو مع الحيوانات المفترسة.
فإذا نظرنا مؤخرا إلى العصور الإسلامية المتتالية، التي نحاول من خلال هذه السطور إلقاء الضوء عليها، نجدها غنية بكثير من القيم السامية المتجسدة في عناصر مادية معمارية تتلاءم في تشكيلها مع جوهر ومضمون الدين الإسلامي، وتعكس روح التكافل الاجتماعي ونكران الذات والكرم وحب الخير، فهي مبان وجدت لاستيفاء أغراض وظيفية نبيلة هدفها خدمة المجتمع وتقديم العون له. كما أن منها ما يدل على مكانة العلم في المجتمع الإسلامي القديم ومدى احترامه للعلم والعلماء، وأيضاً منها الكثير الذي يربط بين النشاط الديني والأنشطة الأخرى: العلاجية أو التجارية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الدفاعية.
ويشهد التاريخ على مدى تنافس السلاطين والأمراء والحكام والأثرياء في إقامة العناصر المعمارية الخيرية التي هدفها الرعاية الاجتماعية تقربا إلى الله وطمعا في الثواب.
ومن المباني الخيرية أيضا التي أنشئت بهدف تقديم العون وخدمة المجتمع الإسلامي: الخانقاه، والتكية، والحمام العام، والبيمارستان، والمدرسة ..... وقد كان الحكام والأثرياء يحددون وقفيات* فيوصون بواردات أملاك لهم باعتبارها صدقة جارية لتصرف من ريعها على صيانة وتجهيز بيوت الله ومشاريع البر والإحسان الاجتماعية والعلاجية وصرف رواتب موظفيها والقائمين عليها، وهذا ما حفظ كثيرا منها. وفي حالات عدم تحديد وقفيات لهذا الغرض وتوقف متابعة الصرف على تلك المشاريع بمجرد وفاة الشخص المتكفل بمصروفاتها فإنها تتوقف بالتالي عن تأدية وظيفتها وتبدأ المعاناة من الإهمال وعدم الإشراف السليم، ومنها ما انهار أو تهدم أو أزيل تماماً، وبشكل خاص الأعمال التي كان ينشئها الحكام، فإن انعدام الاستقرار والاستمرارية أثناء فترة الحكم كانا سببا في اختفاء أعمال الحاكم بعد اختفائه شخصيا بالبعد عن السلطة أو وفاته.
والسطور التالية هي محاولة لإبراز القيم السامية التي اختصت بها العناصر المعمارية في المجتمع الإسلامي القديم الشاهدة على أن للعمارة دائماً دوراً مهماً في ترسيخ القيم الدينية والاجتماعية والثقافية داخل المجتمع، وكما إنها وسيلة فهي أيضا انعكاس وتعبير مباشر عن خصائص وسمات وقيم المجتمع.
السبيل: سبّل الشيء يعني جعله مباحاً في سبيل الله، ولقد حث الحديث النبوي الشريف على تقديم الماء للإنسان و الحيوان، فعن رسول الله أنه حين سئل عن أفضل أعمال الخير فأجاب :سقي الماء لمن يسأل عنه.
وعلى هذا الأساس فان السبيل مصطلح للوحدة المعمارية التي توفر مياه الشرب بعضها للناس المارة في الطرقات الذين يتعرضون نتيجة العطش من حرارة الشمس وبعضها للحيوانات.
وتركزت الأسبلة بشكل عام في المناطق الآهلة بالسكان والأسواق والأحياء التجارية والصناعية، وكانت الأسبله تملأ بواسطة السقائين خلال أيام فيضان الأنهار وكانوا يكافئون من قبل عملائهم.
والأسبلة من الناحية المعمارية مهما اختلفت في الطراز والشكل فان تكوينها كان واحداً في خدمة وظيفتها، فالسبيل يتكون من ثلاث طوابق:
الأول في تخوم الأرض وهو الصهريج الذي يملأ بماء النهر أو المصدر، كالنيل مثلاً.
والثاني أرضه أعلى من مستوى الشارع بقليل ويمثل حجرة التسبيل ولها شبابيك للتسبيل بأسفلها من الداخل توجد أحواض تملأ بالماء العذب من الصهريج، والثالث أو الطابق العلوي فكان يخصص إما(للمزملاتي ) وهو الشخص المسئول عن التسبيل, أو كان غالبا قاعة لتعليم الأيتام الذين هم دون البلوغ، وقد أطلق لفظ مكتب تعليم الصبيان على تلك المكاتب الملحقة بالأسبلة أو العمائر الدينية بشكل عام في العصر المملوكي، والتي عرفت فيما بعد بالكتّاب.
الخانقاه (الخانكاة): كلمة فارسية مركبة من (خان) أي مكان و(كاه) أي ضآلة وضعف ومعناها بيت أو دار للتعبد والاستغفار أو المكان الذي يشعر فيه الإنسان بضآلته أمام الخالق .
وأطلقت في بادئ الأمر على المنشآت الدينية المخصصة لانقطاع الصوفية * بغرض العبادة وممارسة وظيفة التصوف، أي للصلوات الخمس وقراءة القرآن والتهليل والأذكار والتسبيح والاستغفار والاعتكاف.
ومع تطور التصوف في العصر المملوكي وتطور العمارة حدث أيضاً تطور في مفهوم الخانقاه، فأصبحت في عصر سلاطين المماليك مسجداً وبيتا للصوفية المجاهدين والشيوخ المحاربين أو مسجداً ومدرسة ومساكن للطلبة الصوفية.
والخانقاه منشأ مقام على نظام الصحن المحاط بأواوين أربعه بلا مئذنة ولا منبر، تضم مسجدا لا تقام فيه صلاه الجمعة، وقد يلحق به ضريح ومدرسة وسبيل.
وتدرس بالخانقاه العلوم الدينية كالحديث والشريعة والفقه والتفسير من وجهة نظر المذاهب السنية الأربعة رغبة في نشر الفكر السني.
التكية: كلمة تركية مرادفة للخانقاه، والتكية من المنشآت الدينية التي ظهرت في العصر العثماني لتحل محل الخانقوات باعتبارها مزيجاً من الاثنين وكانت تستخدم في إيواء وإطعام الدراويش وأبناء السبيل والفقراء.
وتتألف التكية من عدة أجنحة، اثنان لابد منهما لتصح التسمية : الأول هو المسجد المستقل البناء والمنفصل عملياً عن الثاني المتمثل بالمجمع السكني المتكامل المرافق, أما العناصر الأخرى التي قد تلحق بالتكية وتحتل غرفاً أو قاعات مستقلة، فهي الضريح الخاص ببعض الأولياء أو الأمراء، والمدرسة المعدة لتدريس الأولاد القران الكريم والخط والحساب بالإضافة إلى المكتبة العامة.
الرباط: هو بناء عسكري ديني محصن، مشتق اسمه من مفهوم ربط الشيء أي بربطه وبشده، والرباط ما يربط به، والمرابطة هي ملازمة ثغر العدو تأهباً للجهاد في أية لحظة، ولذلك يكون موقع الرباط بالقرب من الحدود ليرابط فيه المجاهدون والمقاتلون في سبيل الله لمواجهة العدو ودفع الخطر.
وقد ورد ذكر الرباط القرآن الكريم في الآيتين: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ(سوره الأنفال، الآية 60) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (سورة ال عمران، الآية 200) و قد أصبح الرباط يعني المواظبة على الأمر، كذلك المواظبة على الطهارة والصلاة والجهاد وملازمة تلك العبادات. ومع زوال خطر الحروب أصبح الرباط مأوى للمنصرفين إلى ذكر الله المتعيشين على نفقة السلطان، وكذلك لأبناء السبيل باعتبار أن المقيم في الرباط قائم على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد والبلاد, ولذلك حرص الحكام والأثرياء على إنشاء الربط وإنزال بعض الصوفية بها, فتحولت الرباطات من حصون وأبراج مراقبة واتصال ومنارات إلى خانقوات وتكايا فغلبت عليها صفة الملجأ.
وتتشابه الرباطات في تكوينها فكانت ذات مسقط مستطيل، مسورة ومزودة بأبراج ركنية وضلعية، لها مدخل واحد، كما احتوت على مصلاه ذات محراب وحجرات وميضآت ( جمع ميضأة، وهي مكان الوضوء)، وقد اتسمت بالرصانة و القوة والتقشف فغلب عليها الطابع العسكري.
الزاوية: زوى الشيء أي جمعه وقبضه، وانزوى القوم أي انضم بعضهم لبعض، وهناك زوايا العلم بالمساجد الكبيرة بمعنى اشتغال جماعة من الطلبة بالعلم في أحد أركان المسجد.
والزاوية ليس لها مئذنة ولا منبر ولكنها تضم ميضأة، وأحيانا ضريح مؤسسها وتقام فيها الصلوات الخمس، ماعدا صلاة الجمعة والعيدين، ويوجد داخلها عدد من الخلوات وملحق بها حمام معين له حلاق, ومطبخ، وخزانة للأشربة والأدوية، ويخصص لبعض الزوايا طبيب وجراح وكحال لعلاج المرضى من الصوفية.
و للزاوية أيضا شيخ مسؤول وخدم وموظفون لاستقبال ورعاية الوافدين المتنقلين من زاوية إلى أخرى قاصدين المعرفة في كل مكان، وأيضا رعاية وإيواء الفقراء وإطعامهم وكسوتهم وصرف شهرية لهم وأجرة الحمام وما يحتاجونه من صابون وزيت للمصابيح، وفي ليلة كل جمعة توزع عليهم الحلاوة.
وللأكثر فقراً أولوية الإقامة في الزاوية، ثم الفقراء المغتربين كما كانت هناك زوايا للنساء والأرامل، أو للرجال العزاب وأخرى للمتزوجين.
الحمام العام: من الأبنية العامة التي تميزت بها الحضارة العربية الإسلامية منذ أيام الفتح الأولى. وكثرة الحمامات أوجبتها فريضة الاغتسال في الإسلام، فهي انعكاس لمعان وقيم سامية تشير إلى النظافة و الطهر والانتعاش، بحيث اتجه المسلمون لتبني الحمام العام البيزنطي -الروماني يبوؤنه مكانة لم يحتلها من قبل, ويجعلون منه مرفقاً عاماً وشعبياً لم يقتصر على أنه مكان لنظافة البدن فحسب، بل يمثل أيضاً مركزاً اجتماعياً مهماً، ولم يكن أقل أهمية من المساجد والمكتبات والخانات والأسواق.
البيمارستان -المارستان: لفظ فارسي مركب من (بيمار) أي مريض، و(ستان) بمعنى محل, أي دار المرضى. وهو مستشفى عام لمعالجة كافة الأمراض، وقد عرف في مصر منذ العهد الأموي وفي عصر المماليك، وقد عني حكام مصر بشكل عام في العصور الوسطى برعاية المرضى من المسلمين وضمان العلاج لهم فحرصوا على إنشاء البيمارستان وتوفير الأطباء تمشياً مع تعاليم الإسلام من إعانة المريض والعناية به عند الحاجة، مع عدم وقف البيمارستان على طبقة معينة من الناس، وإنما كان للكبير و الصغير، والحر والعبد، وعندما يبدأ المريض في الشفاء ويصرح له بالخروج يعطى إحساناً كما ينعم عليه بكسوة.
وكان يلحق بالبيمارستان مدرسة للطب، وجرت العادة في أواخر العصور الوسطى أن يعين رئيس الأطباء بتوقيع من سلطان المماليك نفسه.
المدرسة: وحدة معمارية مستقلة أحياناً، وملحقة بمسجد أو منشأة أخرى أحياناً, وهي الموضع الذي يدرس ويقرأ فيه العلم والكتاب. وجاء ظهور المدرسة متأخراً عن المسجد، وارتبط بالخلاف بين السنة والشيعة, وقامت لتدريس المذاهب السنية الأربعة، إلى جانب قراءة القرآن وحفظه وتجويده وتفسيره وتدريس الحديث والشريعة والفقه السني، الأمر الذي جعل السلاطين والأمراء يتنافسون في إنشاء المدارس تقرباً إلى الله وطمعا في حسن الثواب.
ثم طورت المدرسة فدرس بها بعض العلوم الأخرى كالطب والكيمياء والنحو والفلسفة والعلوم الطبيعية.
والتوسع في إنشاء المدارس في المجتمع الإسلامي القديم يدل على مكانه العلم ومدى احترامه وتبجيله للعلم والعلماء، كما أنه يعتبر في حد ذاته مظهراً قوياً لرقي الحياة الفكرية لهذا المجتمع خلال العصور الوسطى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1. الفاروقي، اسماعيل (1999). أطلس الحضارة الاسلامية. الرياض: مكتبة العبيقان
2. غالب، عبد الرحيم (1988). موسوعة العمارة الاسلامية.- بيروت: جروسبرس
3. بهنسي، عفيف (1997). خطاب الأصالة في الفن والعمارة.-دمشق: دار طلاس
4.أمين، محمد (1990). معجم مصطلحات العمارة. القاهرة: الجامعة الأمريكية
5. السباعي، مصطفى (2000) من روائع حضارتنا. دمشق: مكتبة الرسالة

المصدر: رسالة النجاح
avatar
Bouda Abderrahmane

المساهمات : 36
تاريخ التسجيل : 03/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى