حرية منضبطة ، لا قلة أدب منفلتة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حرية منضبطة ، لا قلة أدب منفلتة

مُساهمة  Bouda Abderrahmane في السبت 17 نوفمبر 2007, 00:15

هناك بديهيات لا يختلف عليها العقلاء ، ومن تلك البدهيات أن الانفلات عكس الانضباط ، والانفلات يعني عدم وجود أيّ حدٍ أو مانعٍ أو شرطٍ أو ضابطٍ أو أيّ قيدٍ من أيّ نوعٍ على تصرفٍ ما ، والانضباطُ يعني وجود الضوابط والشروط والموانع والحدود لأي تصرف .

إذا نحن أمام ضدين لا يجتمعان هما الانضباط والانفلات ، والتصرفات الإنسانية خاضعة لهذين المعنيين ، فالشجاعة مضبوطة بالعقل وإن انفلتت أصبحت تهورا ، والجرأة كذلك وإن انفلتت أصبحت وقاحة ، والصراحة أيضا وبانفلاتها تصبح تجريح وشخصنة …وهكذا .

فكل تصرف إنساني إما أن يكون منضبطا بضوابط معينة - بغض النظر عن نوعية هذه الضوابط ومعيارها - وإما يكون غير خاضع لأي ضابط فهو بالتالي تصرف منفلت فوضوي ، ولذلك لا يوجد عاقل يرفض الانضباط ويؤثر عليه الانفلات والفوضى وإن كان وحده في العالم ، إلا أن يكون مجنونا لا عقل له متحررا من كل ضابط وأفعاله وتصرفاته لا ميزان لها ولا معيار .

وأظن أن تلك المقدمة لا يختلف عليها العقلاء وهم بالمناسبة المخاطبون بهذا الموضوع ، لكن مكمن الاختلاف يحصل في ماهية تلك الضوابط ومعاييرها ومن يحدد تلك المعايير ، وبصراحة لا يمكننا إلا أن نقر بمشروعية هذا الاختلاف ومنطقيته .

من يحدد المعايير

على مر التاريخ الإنساني وعند كل الأمم والشعوب كانت هناك سلطات ومرجعيات ونظم يحتكم إليها الناس و هي من تحدد لهم ما هو مسموح وما هو غير مسموح وما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي ، ولم يمر في تاريخ أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات أنه كان مجتمعا منفلتا لكل فرد في ذلك المجتمع قانونه الخاص .

ولذلك نرى التباين الواضح في العديد من الأمور التي تعتبر أخلاقية وشيمة كريمة من شيم وعادات مجتمع ما وفي المقابل نجد نفس تلك العادة أمر مرذول ومستقبح عند مجتمع آخر ، ولا أدل على ذلك من الفروق والمعايير المختلفة عند الشعوب في مسألة الزواج مثلا ، فتجد مجتمع يرى زواج الأخ من اخته أمر طبيعي ومجتمع آخر يرى أن ذلك جريمة شنيعة يعاقب فاعلها ، من الذي حدد ذلك ؟! الفرد وحده أم نظام المجتمع وقوانينه ؟!

كان من يحدد المعايير أحيانا هو ملك البلاد أو مجلس حكماء أو زعيم القبيلة أو المرشد الروحي أو الساحر أو كانت المعايير تحدد من خلال الأنبياء والرسل والكتب السماوية التي أرسلوا بها ، في النهاية كانت هناك مرجعية تحدد المعايير وعلى الجميع الامتثال لها .

معاييرنا نحن

نحن المسلمون الله سبحانه وتعالى بالشريعة التي أنزلها على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو من حدد معاييرنا ووضع لنا المرجعية الأخلاقية وحدد أطر تصرفاتنا وسلوكنا فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) لم يقل بعثت لأضع لكم أخلاقا جديدة وأنسف كل خلق كريم قبلي ، بل جاء ليتمم الأخلاق الكريمة ويكمل ما اعتراها من نقص وتحريف وزيادة ، فليس من الأخلاق أن يرث الرجل زوجة أبيه مع المتاع وليس من الأخلاق التعامل بالربا استغلالا لحاجة الناس وليس من الأخلاق إذهاب العقل وشرب الخمرة .

فالإنسان في الإسلام عبد لله سبحانه وتعالى وعلى العبد الامتثال لأمر سيده من غير زيادة ولا نقصان وعلى هذه العبودية الخالصة لله وحده يبنى المجتمع المسلم الحقيقي ، تلك العبودية ترى أن كل ما سوى الله سبحانه متساوون في الحقوق والواجبات أمام الشريعة لا ميزة لحاكم على محكوم ولا عالم على جاهل ولا فقيه على طالب علم أمام الشريعة الإسلامية وقوانينها ، وعليه فإن تصرفا ما إذا كان أخلاقيا في الشريعة الإسلامية لا يمكن لأي سلطة أن تنزع صفة الأخلاقية من ذلك التصرف وأن تمنع الناس من فعله .

لكن هنا عادة يطرح سؤال يقول : من الذي يحدد أن هذا الفعل أخلاقي حسب الشريعة الإسلامية أو غير أخلاقي ؟! الذي يحدد ذلك هم أهل الاختصاص ، ومن هم أهل الاختصاص ؟! أهل الاختصاص كل من امتلك أدوات البحث العلمي واتبع القواعد التي قام عليها فقه الشريعة الإسلامية ، ولذلك يمكن لأي شخص مهما كان جنسه أو عرقه أو مستواه الاجتماعي أن يكون فقيه الأمة وأكبر علماءها ولا يمنعه من ذلك شيء أبدا ، فليس في الإسلام مؤسسات خاصة تمنح صكوك العلمية وتمنعها عن آخرين ، وبالتالي يستطيع أي إنسان أن يثبت أخلاقية تصرفه مادام استعمل الأدوات العلمية في إثبات ذلك ، وليس لأحد حق مصادرة النتيجة التي توصل إليها مادام ملتزما بأسس البحث العلمي .

هذه نظرتنا نحن كمسلمين لمن يضع المعايير ويحدد أطرها ، فأي إنسان في المجتمع المسلم يستطيع أن يتبنى تصرفا معينا ويتسند على أصل شرعي ووفق الأسس العلمية ويحاجج كل الناس بالرأي الذي عنده وبالأسس التي يستند عليها ، فإن فشل في إثبات رأية فعليه الامتثال للقانون المثبت وفق الأسس الشرعية .

واقعنا

واقعنا يقول أننا لسنا في مجتمع ذو نظام إسلامي خالص يمكن أن يتحقق فيه الإسلام بشموله : بنظامه الاقتصادي والسياسي والصناعي والأخلاقي ، نحن مجتمع يخضع لشيء مسخ لا هو ديمقراطي خالص ولا دكتاتوري خالص ، لكن العبرة أن المجتمع متوافق على هذا المسخ وراضٍ بقواعد اللعبة فيه ، ومن أهم تلك القواعد والتي تتحكم في الكثير من الأمور المهمة وتضع تلك المعايير وتحددها ( مجلس الأمة ) هذا المجلس رغم اعتراضنا على آليات تشكيله إلا أننا نقبل به كحد أدنى توافق عليه المجتمع بجميع أطيافه وشرائحه ، ونحن من أعطى هذا المجلس الصلاحيات ليحدد لنا الممنوع والمسموح ، ونحن من أوصلنا من يمثلنا في ذلك المجلس ، وعليه علينا الرضى بنتائج قراراته والالتزام بقوانينه .

أعضاء المجلس ليسوا متخصصين في الشريعة الإسلامية وبالتالي ليسوا مخولين بتحديد الأخلاقي وغير الأخلاقي ، وهم يبنون قراراتهم وفق تصوراتهم الخاصة أو تحت تأثير محيطهم ، لكن في النهاية يخرج لنا قرار وافق عليه أغلب ممثلي المجتمع ، ووفق تفسيره للدستور وقوانينه التي تنص في المادة الثانية منه على أن : دين الدولة الإسلام و الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع .

في المقابل

هناك أقلية في المجتمع تدعي الليبرالية والعلمانية والانفتاح والتحرر ونبذ التخلف والرجعية …إلخ لم نسمع منها غير تلك الكلمات السابقة ، وحتى هذه اللحظة لا نعرف ما هي مرجعيتها الأخلاقية ولا معاييرها !! وحوارنا معهم كالتالي :

يقولون : نحن لا نؤيد الفوضى وقلة الأدب والانفلات .

ولكن حين نسألهم فنقول : ما هو الانضباط في رأيكم ؟! وما الذي يمكن أن نطلق عليه تصرفا منضبطا أو تصرفا غير منضبط ؟!

فيقولون : إجابة واحدة ( الرقابة الذاتية ، وضمير الإنسان نفسه ) !!

طيب نقول لهم : أين الشريعة الإسلامية من تلك الرقابة الذاتية ومن ذلك الضمير ؟!

يقولون : الشريعة الإسلامية والدين أمر شخصي ليس لأحد حق التدخل فيه .

نقول هم : حسنٌ ، ما الذي يمنع هذا الفرد أو ذاك من الانفلات ويردعه من أن يتصرف تصرفا غير أخلاقي .

يقولون : من الذي يحدد أن تصرفه غير أخلاقي ؟!

نقول : أنتم أجيبونا من الذي يحدد ذلك ؟!

يقولون : أجبنا ضميره ورقابته الذاتية .

نقول : طيب إذا كان ذلك الفرد منفلتا غير سوي وقام بفعل غير أخلاقي ؟!

هم : صمت ………. ثم نفس الإجابة السابقة الرقابة الذاتية والضمير الشخصي .

لكن هناك منهم من يحاول الخروج من هذه الحلقة المفرغة ويقول لك : القانون هو من يحدد ذلك ويردع التصرف غير الأخلاقي .

نقول له : من يسن القوانين ؟!

يقول : مجلس الأمة .

نقول له : وهل توافق على كل قوانينه ؟!

يقول : لا بالطبع لا اوافق على كل قوانينه ، فمجلس الأمة مختطف من قبل - خذوا عندكم - ( خفافيش الظلام ، الرجعيين ، متخلفين الإسلام السياسي، المتأسلمين ، …..الخ ) .

ثم بعد الاستماع لقاموس مدعي الليبرالية وقبول الخيار الديمقراطي المليء بتلك الألفاظ المنفلته ، نجد أنفسنا نرجع لنفس الحلقة المفرغة !!

- ويبقى السؤال ما هي مرجعيتكم يا من تدعون الليبرالية ؟!

مشكلة مدعي الليبرالية

مشكلتهم هي رغبتهم الجامحة في الانفلات من كل ضابط أخلاقي وقيمي ، وجعل الفرد هو المرجعية وهو المعيار ، أو أن يكون المجتمع منفلت وأن يكون مجلس الأمة مجلس يخرج بكل القرارات التي تدعم ذلك الانفلات وإلا فقاموس قلة الأدب والانفلات موجود وجاهز للاستخدام لكل من يخالف أهواءهم وتصوراتهم !!

لذلك نجدهم يدعمون حرية شرب الخمرة ، واللباس غير المحتشم ، و فيهم تجد من يؤيد الشذوذ الجنسي ، ويرى ضرورة وجود المراقص ، وإباحة المجلات الخليعة والصور الجنسية الحيوانية كذلك الأفلام والقصص والروايات …الخ

وكل ما سبق له عندهم مسميات أخرى وتبريرات مغلفة ، فالخمر مشرب روحي ، والتعري حرية شخصية ، والشذوذ مثلية وحيقيه علينا تفهمها ، والمراقص ترفيه ، والاباحيات حرية رأي …الخ

ودائما يقولون لنا : أليس عندكم غير الجنس وما دار في فلكه يا إسلاميين ؟! والمشكلة أننا لا نجد فيما تطرحونه من أفكار ليبرالية ما يخرج من دائرة الجنس والرذيلة ، فهل سمعتم عن مشروع ليبرالي عن الرأسمالية وسياسة السوق المفتوح ، هل سمعتم من أدعياء الليبرالية عن الأحزاب والتداول السلمي للسلطة ، هل سمعتم من مدعي الليبرالية أفكارا وروايات فلسفية ، هل سمعتموهم يوما يدافعون عن مبدع لم يتكم عن الجنس وما دار في فلكه وهل وهل وهل ..الخ

حتى الأحزاب - التي تقوم عليها المجتمعات المتطورة والمتحضرة - حين طرحت فكرتها من نائب محسوب عليهم ، شنوا هجوما سريعا على الفكرة وأصبحوا ينظرون بفشلها ويبشرون بخراب البلد من ورائها ، وإليكم بعض تلك النظريات العجيبة ممن يدعي الليبرالية :

1- الديمقراطية للديمقراطيين . عبد اللطيف الدعيج !!

2- صكوا الأبواب..عن الأحزاب . يوسف الشهاب !!

3- أحمد الديين والأحزاب الدينية . فهد المطيري !!

الخلاصة :

المسألة بالنسبة لنا واضحة أشد الوضح ، وهي أن مطالبات مدعي الليبرالية ليس مطالبات جادة وحقيقية دفاعا عن الحريات وطرحا للفكر الليبرالي ، إنما المسألة بالنسبة لهم هي وجود قيود تمنع الانفلات والتحلل من كل ضابط ، فتصبح المسألة عندهم هي المطالبة بقلة الأدب وليست الحرية ، للأسف !!!
avatar
Bouda Abderrahmane

المساهمات : 36
تاريخ التسجيل : 03/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى